السيد عبد الله شبر

300

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

الرابع : أنّ قولهم : إنّ العالم بأسره عباد اللَّه وليس لهم وجود وصفة وفعل إلّاباللَّه وحوله وقوّته ، وكلّهم محتاجون إلى رحمته ، وهو الرحمان الرحيم ، ومِن شأن مَن هو موصوف بهذه الصفات أن لا يُعَذّب أحداً عذاباً أبديّاً ، وليس ذلك المقدار من العذاب إلّا لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المعدّة لهم ، كما يذاب الذهب والفضّة بالنار لأجل الخلاص ممّا يكدّره وينقص عياره ، وهو عين اللطف والرحمة . وقولهم : إنّ العبد الذي رزق أدنى رحمة يرحم العباد ولا يرضى بدوام عذاب عدوّه ، وإن أساء معه ما أساء ، فكيف بأرحم الراحمين ؟ ! لا يخفى فساده مضافاً إلى ما مرّ من الوجوه ، فإنّ قياس المنتقم الجبّار على الصيرفيّ المذيب للذهب بالنار ، وقياس رحمة أرحم الراحمين على رحمة العبد الجاهل المسكين قياس مع الفارق ؛ إذ الفرق واضح بين الإيلام بطريق الإصلاح وبين العقوبة بطريق الاستخفاف والاستهانة ، وتعذيب الكفّار من الثاني كما قال تعالى : « اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ » « 1 » ، « ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ » « 2 » ، « خُذُوهُ فَغُلُّوهُ » « 3 » إلى آخر الآيات . والفرق واضح أيضاً بين حال العبد الضعيف الجاهل العاجز ، وبين الربّ الخالق العالم الجبّار القهّار . ألا ترى أنّ أنواع الأمراض والأوجاع والزمانات والبلاء والابتلاء والتعذيبات الواقعات في الدنيا التي ابتلى اللَّه بها خلقه لحِكَم ومصالح - هو أعلم بها - لو فوّضت إلى أقسى العباد قلباً وأجفاهم غلظة لرفعها عن الناس ولم يرضَ بها ، سيّما بالنسبة إلى الأطفال والصبيان والرُضَّع والمشايخ والعاجزين ، فكيف يقاس فعل ربّ العالمين بحال الجاهل المسكين ؟ ! أو لم يعلموا أنّ أفعال اللَّه تعالى في الدنيا فضلًا عن الآخرة تعجز عن إدراكها العقول القاصرة والأفهام الكاسدة الفاترة كالنظر إلى أنواع العذاب والعقاب بالنسبة إلى الأمم السالفة والفرق الماضية ، وأخذهم بأنواع النكال وأشدّ العذاب والوبال ؟ ولم

--> ( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 108 . ( 2 ) . الدخان ( 44 ) : 49 . ( 3 ) . الحاقّة ( 69 ) : 30 .